آخر المواضيع

حوار : الشّاعر رحيّم الجماعي : لا أحتمل الحياة دون كتابة

حوار : الشّاعر رحيّم الجماعي : لا أحتمل الحياة دون كتابة

حوار : الشّاعر رحيّم الجماعي : لا أحتمل الحياة دون كتابة
Untitled-1
حاوره :جمال قصودة

الشّاعر كحامل المسك بالجيب لا يطلب منه الافصاح او الاعلان عنه ، و  الشّاعر حامل الشمس في رأسه /قلبه ينير المدى السرمديّ لانه يحترق مثلها تماما ، وحده الشّاعر لا تطرح عليه الاسئلة” البوليسيّة” للتعرّف علي هويته او الاقتراب من مداراته لانّ مهمته تنتهي بالنقطة القافلة لاي نصّ شعريّ . الشّاعر لا يحمل بطاقة هويّة  مختومة من  الحكومات الساقطة ،و لايحتاج  جواز سفر ليعبر الحدود المرسومةباحكام  بجغرافيا الارض / الوطن و لا يقف كبقيّة البشر بباب الدرك الديواني او الجمارك ليقدّم تاشيرة عبور مختومة من القنصل السّامي ،لا يحتاج هذا الشاعر هوياتكم و لا ينحني بباب سلطاتكم ،لا سلطة لكم الحقيقة على كائن لا يعترف بالجغرافيا و لا يقدّس التواريخ القديمة و الجديدة بل يصنعها و يسطّر ما اغفلته من جمال
هو باعث الحياةفي الارض هو سيّد الكلمات و حافظ اسرارها و هو لوحها المحفوظ .
و برغم كل هذا قد نتقمّص دور ” البوليس” و الدرك الديواني ،لنستوقف الشّاعر برغم  معرفتنا بنصّه/ هويته المعلّقة بمعاريج السماء و لكننا نروم من خلال الاسئلة  اضاءات أكبر قد تكون  سببا في عروجنا باتجاه سدرة المعنى ، و قد تورّطنا اكثر في محبّة هذا الكائن الشفّاف العصيّ على الادارك برغم ماديةبشريته
في هذا الحوار الجديد نستوقف شاعرا تونسيّا  شغل  الكواكب و اجبرها ان تسير في مجرّاته
“بوليس” الثقافة هاهنا يقول:
“سين”-1- : كيف يقدّم الشّاعر رحيّم الجماعي نفسه لقرّاء موقع انتلجنسيا للثقافة و الفكر الحر ؟
r
جيم 1 : – رحيّم جماعي ، قطرة في محيط مُترامي الشعراء العِظام ، أحتسي قصائدهم كلّ يوم ، وأصلّي كراهب لأحزانهم ، ونزيف قلوبهم… رحيّم جماعي كاتب تونسيّ رجيم ، وكاتب تونسيّ تعني حرفيّا ، رقما مُحْتَقَراً كالعامل البلديّ ، وخادمات البيوت ، وحرّاس المقابر… رحيّم جماعي أنفق عمره في الكتابة والإخلاص لها ، فدحرجتْه بلاده إلى مرتبة أدنى من مرتبة المواطن العاديّ ، وأدنى من قشّة مُهملة .

سين -2-:يقول النابغة الذبياني في تعريف المبدع العصامي “نفس عصام سوّدت عصامِاً … وعلمته الكر والإقداما وجعلته ملكاً هماماً … فتعالى وجاوز الاقوام”، هل حقّق رحيّم الجماعي بموهبته” العصامية” ما يصبو اليه من مجد ؟
جيم 2 : – عن أيّ مَجد تتحدّث يا جمال ؟!!! أنت في تونس يا صديقي ، بلاد التّحقير والإهمال والتّناسي… تونس العظيمة ، المجد فيها يحقّقه التّافهون والّلصوص والمؤلّفة قلوبهم… عصاميّتي أدخلتْني بسلاسة قلوب بعض العامّة ، والكتّاب المملوئين بذواتهم ، بالكتابة المتجاوزة ، بالنّصّ التّقدّميّ السّاحر… كما حقّقت لي حقد بعض النّقّاد البائسين ، الّذين يبحثون فقط عن أدلّة للإدانة في ما أكتب… وحقّقت لي حياة كاملة من العطالة والفقر المُزمن… العصاميّة في بلادي لعنة يا صديقي ، وقَدَر غريب أصابني بدقّة صيّاد مُحترف .
سين -3- : الا ترى ان العظامي –وهو من يعتمد على عظام أجداده اي عكس العصامي – هو سبب البليّة و هو المسوّق لتهمة  العصامي من اجل التاكيد على دونية ابداعه و بهدف تقزيمه ؟ 
جيم 3 : – لو تبنّى كثيرون غيرك هذا الرّأي المشبوه ، لاصطدم المفهومان ( العظامي والعصامي ) والكاتب والكتابة عموما ، بجدار صلب من الأوهام ، تتحطّم عليه بعض الرّؤى ، الّتي تحاول قيادة التّجارب العذبة إلى مربط الجمال… العظاميّ حسب رأيي المتواضع ، هو النّاهل بخبث الّلصوص من منابع الآخرين ، ويقتات بلا جهد من حرائقهم… أمّا العصاميّ ، فإنّه ينحت ذاته وتجربته من من جرحه الخاصّ ، لا يتّكئ على شيء سوى دواخله الأمّارة باقتراف الجمال ورعايته… الفرق بين جَيْبِ قلبك وجيب قلوب الآخرين ، بحجم مسافة ضوئيّة يا جمال ، وأنت شاعر تَعِي جيّدا ما أقول .
  • سين-4-: الكتابة هي خمرة الحياة وهي هاجس يومي لدى رحيم الجماعي هل لك تعيش من دونها ؟ 
جيم -4-:– حجرٌ ذلك الّذي لا يقرأ…
ميّت ذلك الّذي لا يكتب…
هذا ما أردّده دائما ، فالكتابة فعل حياة بامتياز ، بمعنى أنّك إذا أردت أن تثبت أنّك على قيد الحياة تماما ، لا تتزوّج ، ولا تتكلّم ، ولا تذهب إلى النّوم حتّى…
بل أكتُب أوّلا ، ثمّ أكتب ثانيا ، ثمّ أكتب ثالثا ، ثمّ أكتب دائما…
أعلم أنّ الحياة أهمّ من الكتابة بكثير ، لكنّني أعلم أيضا أنّ الكتابة هي حياة أخرى لا يدركها العاطلون عن المحبّة والجمال…
يكفي أن يمرّ يوم دون كتابة ، حتّى أُصابَ بالجنون ، وأغدو كائنا على غاية من الشّراسة ، وسوء الأخلاق ، كائن لا يُطاق…
وهذا ترى أنّ الكتابة تقوم بدور المهدّئ للأعصاب ، إضافة إلى تجميل الحياة ببهائها…
لا أحتمل الحياة دون كتابة…
دون كتابة أموت .

  • سين-5-: عاش الشّاعر رحيم الجماعي على وقع محاولات متكرّة لتشويهه و شبكة الانترنات تتضمن مقالات ماجورة في هذا السياق ما ردّكم ؟
جيم -5-:.-:– لقد وُفِّقْتُ إلى بشكل ما في تجربتي الإبداعيّة ، ودفعت الثّمن غاليا من حياتي ، من أعصابي ودمائي وسنيّ العمر القصير…
وُفّقتُ بشهادة جوائزي الكثيرة في الشّعر والقصّة والنّقد والمقال الصّحفي والمقال الإبداعي…
وُفّقتُ بشهادة نقّاد وكتّاب كبار ، لكنّ “الحَقَدَة” و”الحَسَدَة” ،لم ترُق لهم هذه العلامة المضيئة في الأدب التّونسيّ ، فأطلقوا -كما تعلم صديقي جمال- حملات مسعورة ومتكرّرة ، لتشويه سمعتي الّتي ساءَهُم طَعْمُ السّحر فيها…
فأنا في نظرهم سِكِّير ، وسليط الّلسان ، وبذيئ حدّ القرف ، ووو….
لكنّ المُضحك حقّا حدّ الإستلقاء على الظّهر والإغماء ، هي هذه (التّهمة) :
رحيّم جماعي العصاميّ (السّادسة إبتدائي)…
لكنّني لا أعير اهتماما لهؤلاء البؤساء ، وأعتبر حقدهم وحسدهم ، ذبابة في كأس سيّد نبيل…
أنا كاتب حقيقيّ ، مشغول بالحياة وبالكتابة ، ولا وقت لي أهدره في مقارعة التّافهين والرّديئين والسّفلة .

  • سي-6-: رحيّم الجماعي و المراة ،هل لها تجليات بطيّات النصّ و هل لها حضور فعليّ في حياته ؟
  • جيم-6-:- منذ مجيئي الكارثيّ إلى الحياة ، أو الممات (لا فرق) ، وأنا في حالة حبّ يوميّة لهذا الكائن المدهش ، الّذي يُسمّى -بهتانا- إمرأة ، وأسمّيه جنّة… لا أذكر أنّ امرأة أُصيبت بالنّفور منّي ، فأنا رجل ناعم ورقيق ، عكس ما يُروّجه أعدائي المجانيّون ، وهذه ميزة لَمَسَها كلّ مَن عرفني عن قُرب ، ورافقني في هذا الدّرب الحجريّ الطّويل… ( مِن دمي عبرت فاطمة ) ، قصيدة طويلة جدّا بحجم كتاب ، كتَبْتُها لامرأة… ليلى ، سعاد ، ريما ، جيم القيروان ، سين الجنوب… كلّها قصائد حُسنى ، كتبتُها بحبّ أعمى ، لسيّدات تعثّرتُ بهنّ ، أو تعثّرن بي ، وأَضَأْنَ حياتي… كلّهنّ خرجن من دارات القلب الوسيع ، وظلّت واحدة تُضيئ كنجمة الرّاعي في أقاصي الرّوح… أنا يا صديقي ، كأيّ شاعر أو كاتب ، لا أستطيع الحياة دون امرأة وكتابة
  • سين-7- :يعيش الشّاعر رحيم الجماعي حالة اجتماعية ضنكة ، متى تتحرك وزارة الثقافة لتوقف  هذا النزيف و لما يطول انتظار الشّاعر ليلمس لفتة منهم ؟
  • جيم -7-:- أنا لا ” أُعَسْكِرُ ” كالكتّاب الرّخيصين أمام أبواب الوزارات ، لي ما يكفي مِنَ الكرامة ، لأَحْرِمَهُمْ مِن إذلالي ، ولي من بهاء النّصوص ما يجعلني أعلى من الوزير وسَادِنِهِ…
  • لكنّني أتألّمُ يا صديقي ، فكلّ الكتّاب ” المناشدين ” ، يتمتّعون بحقّي أنا في حفظ ماء الوجه ، وكلّ الفاشلين في تركيب جملةعامّيّة سليمة ، يتقاضون مرتّبات مشبوهة ، وكلّ الّذين ينصبون الفاعل ، ويرفعون المفعول به ، فعلوا ما فعلوا بفُصْحانا ، يتمّ تكريمهم ، ويُكافؤون بمطر حاتميّ ، إلّا أنا…
  • لن يتحرّك أحد يا صديقي ، لأنّني رحيّم جماعي في ثمود .

  • سين-8-:اصدر رحيم الجماعي الى الان خمسة دواوين شعرية و في انتظار الطبع اكثر من 18 مخطوط ، هل النشر الورقي عملية مجزية بالنسبة للمبدع و متى يصلح حال النشر و الطباعة في تونس و الى متى تستفرد دور النشر بثمار المنجز الابداعي ؟
  • جيم-8-:- أنت تتحدّث عن مصّاصيّ دماء يا صديقي ، لا عن دُور نشر… ثمّ عن مردود مادّي تتحدّث ؟!!! هل سمعت بكاتب تونسيّ مِن مداخيل كُتبه ؟ هذه بلاد ترتعش من الكاتب والكتابة ، والكلّ ينهش لحم الكاتب : النّاشر ، الصّحف ، المجلّات ، الإذاعات ، التّلفزات ، الملتقيات الأدبيّة… حتّى الكتّاب أنفسهم ينهشون بعضهم بعضا… الكاتب الحقيقيّ في بلادي ، يحتاج معجزة ليستقيم حاله .

  • سين-9-: توّج النص الشعري لرحيّم الجماعي في اكثر من 33 مناسبة و من اهم الجوائز جائزة مفدي زكريا المغاربية ، مسيرة التميّز هذه الا تحتاج تكريما رسميّا من لدن الحكومات المتعاقبة و وزارة الثقافة ؟ ام قدر الشّاعر ان ينتظر عنقودهم بعد الممات ؟
جيم-9-– :العكس تماما ، فقد ( تكريمي ) جيّدا ، فبعد عودتي من الجزائر ، وقع سحب الجائزة منّي في مطار تونس قرطاج الدّولي ، وحُمِلْتُ إلى قبو وزارة الدّاخليّة ، ليتمّ استنطاقي أربع ساعات متتالية ، حتّى كِدْتُ أفقد عقلي… بعد ذلك تتالت ( التّكريمات ) بإهمالي ونسياني المفضوح ، ربع قرن كامل… أليست هذه ( تكريمات ) تليق بكاتب تونسيّ محترم ، مثّل بلاده خارج حدودها ، كأروع ما يكون ؟!!!
  • سين-10-: منذ اسبوع تقريبا تطاول أخر طالكم ، اذ اختلس أحد الاعلاميين مقطعا شعريا لكم و نشره على حسابه الفيسبوكي دون ذكر اسمكم ، هل اعتذر ؟
  • جيم-10-:
    – الّلصوصيّة تجارة مزدهرة على هذه الجدران ، ولصوص الأدب مجتهدون في اقتراف السّرقات المعنويّة بالأساس ، فقط لمداواة أمراض وعُقد قديمة / جديدة ، ومحاولة منهم لإكمال نواقصهم…
    لم يكن سمير الوافي الأوّل ، ولن يكون الأخير ، لكنّني استغربت حقّا سَطْوَهُ على إحدى كتاباتي ، فالرّجل إعلاميّ مشهور ، وكلّ ما يملكه سمعته الّتي تصنع شهرته ، لكنّه استهان بها على غباء صارخ…
    ليس لي ما أضيف حول هذا ، سوى أنهم لم يتركوا لي شيئا أبناء الّذين…
  • سين-11-: كلمة الختام
  • جيم -11-::ربّما ، أقول ” ربّما ” يجد هذا الحوار آذانا صاغية هذه المَرّة ، فتُكَفِّرُ وزارة الثّقافة عن ذنبها في حقّي ، ذنب مازال متواصلا منذ ربع قرن بلا هوادة… أخيرا قُبلة لقلبك صديقي الشّاعر جمال قصودة ، على هذه الفسحة ، وإطلاق قلمي ولساني للبوح .

أكمل القراءة »

حوار مع خالد الهدّاجي : الشّعر يخاطب انسانية الانسان

حوار مع خالد الهدّاجي : الشّعر يخاطب انسانية الانسان


حوار مع خالد الهدّاجي :

الشّعر يخاطب انسانية الانسان

حاورهجمال قصودة
كان لقائي الاوّل به من خلال النصّ، النصّ الشعريّ الحاضر بنشريّات الاتحاد العام لطلبة تونس، وفي ظل القبضة الحديدية لنظام القمع النوفمبريكان يوقّع النصّ باسمه عكس الذين اعتمدوا في نشر نصوصهم على أسماء مستعارةقد يكون هذا الفعل من ضرورات السريّة أو ربما هو جبن منهمكان اللقاء حينها لقاءً ورقيّا ولكني كنت أتابع نصوصه وأخباره و من الأخبار اللغط الحاصل إثر محاولة تنظيم مهرجان شعريّ بمدينة جرجيس، بحكم قرب المسافة – بين جزيرة جربة ومدينة جرجيس – بلغني ما حصل من مضايقات أمنية حينها بسبب حضور محمد الصغيّر أولاد أحمد وخالد الهداجي، إثر هذه الحادثة مباشرة كان اللقاء الفعلي الأوّل بمعهد بورقيبة للّغات الحية، في إطار الحملة الانتخابية للاتحاد العام لطلبة تونس بنفس الجزء ومن تنظيم اتحاد الشباب الشيوعي، بسهرة فنيّة ملتزمة هي الأولى للبحث الموسيقى برحاب الجامعة التونسية بعد عودتها للنشاط وكنّا سويّا من الشعراء المشاركين والمساهمين بنفس التظاهرة.
خالد الهدّاجي الشّاعر، شاعر شفّاف هو آخر المنتسبين إلى مدرسة الطاهر الهمامي «في غير العمودي والحر» و هو امتداد لها ولحركة الطليعة الأدبية([1]) وهو آخر النخلات الباسقة التي مازلنا نراها تمشي ([2])واثقة الخطى دون أن تعفّر الجباه، خالد الهدّاجي «رجل في راسه عقل»([3])،عقل أحمر وشاعر بين ضلوعه قلب، قلب أخضر، خالد إذا شاعر يفكّر «إذ تتآزر في بناء قصائده حركة الفكر وإرادة التنظيم وهي تشفّ عن رؤية للوجود وموقف من العالم في الوقت ذاته الذي تتكشّف فيه عن بنية شكليّة صارمةوفي هذا الجمع بين بنية منغلقة مضغوطة ودلالة منفتحة يكمن سرّ شعريّتها المتوهّجة».([4])

موقع أنتلجنسيا للثقافة والفكر الحرّ يسعده أن يستوقف خالد الهدّاجي من أجل «الإطلالة على مدارات رعبه»([5]) الشعريّة، وللحديث عن تجربته النضالية والسياسية؟

– 1 – كيف يقدّم خالد الهداجي نفسه للقراء؟
12507144_785886571534736_7518769594458370976_n
-فعلا لا اجيد الحديث عن خالد الهداجي ربما أنا أيضا أحتاج أحيانا إلى أن أتعرف إلى خالد الهداجي لهذا سأكتفي بأن أشكرك على هذا التقديم فهو قد أعادني إلى سنوات بقدر ماكانت صعبة ومرهقة. إنها سنوات الجمر والقمع والاستبداد إلا أنها كانت سنوات جميلة ومحدّدة في نحت بعض منّي فخلالها دخلت الجامعة التونسية والساحة الحمراء درست الفلسفة مارست النقابة والسياسة في ظلّ السرية والحصار.. خلالها أيضا مارست الكتابة بمعناها الحقيقي سواء في الشعر والأدب أو في السياسة الكتابة تحت المنع كانت أجمل ….


– 2 – قبل الشعر، وأنت الشاعر الثائر والثائر الشاعر يقول الزعيم الوطني فرحات حشاد «الثورة يفجّرها مجانين بعشق أوطانهم، يموت فيها الشرفاء، ويستفيد منها الجبناء» الثورة بعد انتفاضة 17 ديسمبر لم تعد مجرّد فكرة يحملها خالد الهداجي بين الشغاف، وقد صارت تجربة معيشة؟ كيف عشتها وهل توافق الزعيم فيما ذهب إليه؟
قبل 17  ديسمبر كنا نحلم بالثورة والقضاء على الديكتاتورية. كنا نحلم بالحرية في مختلف أبعادها.. خلال أيام الانتفاضة لم نكن نصدق ما يحدث هل نحن في حلم. وهل الشعب انتفض حقا.. بين الواقع اليومي الذي كنا نعيشه من مسيرات شعبية واحتجاجات في كل المناطق وفي كامل دواخل الوطن وبين الشعارات التي كنا نحملها ونكتبها منذ سنوات. إنها الانتفاضة الشعبية. إنها الثورة حقا. كان الحلم يتحقق وكنا نخرج إلى الشارع بين المتظاهرين نصرخ معهم ونرفع لافتات تطالب بإسقاط النظام.. وكان البوليس السياسي يلتقطنا من الشوارع ويلاحقنا في كل مكان. أغلب الرفاق تمّ إيقافهم وما تبقى، كنا قلة قليلة مفتش عنا اظطررنا إلى حياة السرية، نراقب ما يحدث نخرج تحت جُنح الظلام لنشارك في انتفاضات الأحياء الشعبية. باختصار عشنا أيام الانتفاضة كحُلمٍ، حلُمٍ بدأ بعد ذلك يتحول إلى كابوس شئنا أم أبينا حين تحول الحلم إلى واقع قد يكون فقد معناه أو لأن منطق الالتفاف حكمَ الجميع حتى بعض من كنا نعتبرهم رفاقا.. بعضهم اعتبر الثورة غنيمة.. الآخرون سعوا إلى التموقع في المناصب  تسرّب منطق الإقصاء حتى من كانوا في الضفة الأخرى سرعان ما ارتدوا جبّة الثورية والنضال، اختلط الحابل بالنابل، هطل المال السياسي على الجميع. أسال لعاب الكثيرين.. ظهور الإخوان المسلمين.. التكفير يمينا ويسارا.. ابتعد الجميع عن أهداف الثورة وكما يقول الشاعر الراحل الصغير أولاد أحمد «نحن لا نعرف من قام بالثورة ولكننا نعرف من لم يقم بها». أنا لا أستطيع أن أقول إنها ثورة ربما هي انتفاضة شعبية أو هي ثورة مازالت مستمرة. المهمّ أنّ من قاموا بالثورة لم يستفيدوا منها في حين استفاد منها الجميع، لكنّ الحياة أصبحت لا تُطاق للفئات الشعبية المستضعفة والمسحوقة وتحسنت ظروف معيشة ورفاه كل السياسيين.. العمل السياسي اليوم أصبح بلا نكهة لأنّ أغلب الأطر أصبحت جامدة تكتفي بالسلوك السياسي اليميني القائم على تسويق صورة الزعيم والتركيز على النضال البرلماني البيروقراطي المقيت.. لا شيء تغير على المستوى الاجتماعي.. على المستوى الاقتصادي ازدادت الأمور سوءًا، الفساد تضاعف، البطالة تضاعفت وحلت الفوضى في كل مكان.. في هذه الفوضى العارمة التي يصعب مواجهتها علينا أن نصمد.. رغم كل الإحباطات.

– 3 – ماذا تغيّر بين سريّة الأمس وعلنية اليوم؟ كيف ترى المشهد؟ ألا ترى أن الأحزاب السياسية كانت أكثر تنظيما وفعلا تحت ظل السرية والدكتاتورية؟ وما سرّ هذا التخبّط الذي نعيشه اليوم؟
– العمل السري زمن الديكتاتوريات له طابعه الخاصّ دائما.. السرية ساهمت في صمود التنظيم هيكليا رغم تعدد المحاكمات والاختراقات لكنها نحتت عدّة مناضلين أشاوس. اليوم ربما لم يعد من الممكن الحديث عن العمل السري وهذا ما يجعلنا نراجع أشكال التنظّم والتنظيم وآليات العمل السياسي بشكل يجعله محصّنا من مظاهر الانحلال والانخرام والتفكك.. هذه معضلة تواجه التنظيمات الثورية الانتقال من السرية إلى العلنية قد يفقدها توازنها ويجعلها تتخبّط لفترة قد تطول قبل إيجاد حلول حقيقية تضمن لها الاستمرار والنجاعة. هذه الأمور ربما لم تعد تعنيني كثيرا، أصبحت أفضل الكتابة والنقد على العمل السياسي لأبتعد عن الإحباط.
– 3 –  الاتحاد العام لطلبة تونس – المدرسة النضالية التي تربينا فيها – أقدرها أنها تعيش على وقع الانقسام والتشرذم دائما؟ ألا تعتقد أن انقسامات الأمس لا مبرر لتواصلها أو لاستنساخها اليوم بعد الانتفاضة؟
– طيلة تاريخه، ظلّ الاتحاد العام لطلبة تونس يعيش الانقسام والاختلاف وذلك يعود حسب رأيي إلى طبيعة منخرطيه الشباب الطلابي، هذه الفئة التي تتميز بالاختلاف سواء في انتماءاتها الاجتماعية أو في أفكارها يظلّ الاختلاف والتناقض مصدر ثراء للحركة الطلابية التي أنجبت الكثير من الكوادر للوطن.
أيضا طبيعة الأمراض التي تحملها البورجوازية الصغيرة تتجلى في مسار هذه المنظمة من خلال التطرف الشعبوي أو التيمّن الانتهازي ومحاولة النظام دائما تدجين هذه المنظة وإلحاقها بالديكور. نجد دائما أجنحة في المنظمة عميلة للنظام يستحيل التوحيد معها.. البيروقراطية النقابية لها دور أيضا خاصة في قيادة المنظمة فتاريخها أثبت دائما أن النضالية وأمجاد الحركة الطلابية سطرتها القواعد والهياكل الوسطى في حين أن الأمناء العامين للمنظمة عبر تاريخها عرفوا بأنهم يتحولون إلى خدم للسلطة ولنا أمثلة عديدة على ذلك من المؤتمر 18 خارق للعادة إلى اليوم.. تعرف أن التاريخ المضيء للمنظمة كان مع الهياكل النقابية المؤقتة التي ظلت تناضل طيلة 17 سنة خارج الاعتراف القانوني وليست لها قيادة وطنية أو مكتب تنفيذي سطرت أمجاد المنظمة في الساحات وفي مدرجات الجامعة وليس في مكاتب التفاوض ولا في المقرات المركزية.. في رأيي أن حلّ أزمة الاتحاد يعتمد على قواعده وهياكله الوسطى والتركيز على النضال الميداني وبين الجماهير الطلابية وقد أثبت هذا التوجه نجاعته من خلال تجربة الهياكل النقابية المؤقتة وتجربة مؤتمر التصحيح التي استمرت سنواتٍ قبل إجهاضها بدعوى التوحيد في سنة 2008 من قبل رفاقنا قبل الأعداء وكذلك تجربة الحركة الطلابية في المغرب – أوطم- التي أعطت وظلت تعطي دروسا في النضال الطلابي القاعدي حتى أن عديد الأشرطة السينمائية اتخذتها موضوعًا لأعمالها.

– 4 – يقول أنسي الحاج الشّاعر لا يلطّخ يديه بالسياسة، لكنّ روحه مطعونة بكل حريّة» وأنت تقترف الخطيئتين معا :خطيئة كتابة قصيدة النثر وخطيئة السياسة، هل ثمّة تعارض بين الفعلين أم أنك لا توافق أنسي الحاج رغم الالتزام بمدرسته في الكتابة؟
 – أنسي الحاج شاعر مهمّ في مدوّنة الشعر العربي، لكنْ أعتقد أن كلمة «مدرسته» مبالغ فيها، لا أتفق معه إلا في تثوير الشكل الشعري وأنظمة الكتابة. رؤيتي للسياسة تختلف عن الرؤية العامة التي تسود أغلب المثقفين فالسياسة باعتبارها دفاعا عن الوطن والشعب هي فعل نبيل هي ممارسة حبنا للوطن وللقيم الانسانية بصفة عامة  عكس ما تروج له ايديولوجيا اليمين بأنها ممارسة قذرة وهو ما استنبطه الرأي العام والمثقفون على حدّ سواء يجب محاربة هذا المفهوم الذي ينفر الناس من السياسة لو مارس الصادقون السياسة لن نتحدث عن تلوث أيدينا بل عن تنظيف الساحة السياسية ممن يلوثها من الانتهازييين والسماسرة والاوساخ فالوطن في حاجة إلينا، فلا يجب أن نستقيل بتعلّة أن نبقى نظيفين وأنقياء.. نحن في حاجة إلى المثقفين الحقيقيين ليمارسو السياسة ويدافعو بشراسة عن أوطانهم، أن يمارسوا السياسة كما يكتبون القصيدة لماذا لا يحدث ذلك من قال إنه غير ممكن وما هي الحجج.. السياسة تحولت إلى مستنقع من الكذب والأكاذيب بسبب انسحاب الصادقين. أنا أمارس السياسة بعنف ثوري باعتبارها ممارسة الحب فهذ من المباديء التي لا حياد فيها.. ولا معنى لحياتنا من دونها سنتحول إلى مجموعة من التافهين نقول كلاما غامضا ونسميه شعرا.. هل هذا كل ما في الأمر ؟

– 5 – خالد الهدّاجي يلتزم في نصّه بمنطق أدونيس الذي يسعى إلى تثوير النص الشعري من الداخل، وهذا ما لم يفهه الكثير من الثورجيين الذين لم يفصلوا بين خالد الهداجي الخطيب السياسي والنقابي وخالد الشاعر؟ هل توافقني الرأي؟ وما ردّك على الذين ينكرون ثورية نصّ خالد الهداجي؟
– فعلا هذه إشكالية تعترضني يوميا ففي الجامعه كنت خطيبا سياسيا.. لم أكن ألقي الشعر إلا نادرا وأغلب الطلبة يعرفونني خطيبًا في الساحات.. وحين بدأت قصائدي بالانتشار أصبحت أواجه الأسئلة المزعجة من نوع أنت الثوري تكتب بهذه الرقة والهدوء؟ كيف أشرح لهم أن الثوري الحقيقي هو أكثر الناس رقة وحساسية وهشاشة من الداخل؟ بل أكثر من ذلك كان الطلبة يسألونني هل أنت خالد الهداجي الشاعر؟ فقد ذهب في اعتقاد بعض أن هناك شخصيتين بنفس الاسم… فقد كانوا يقرؤون القصائد في النشريات ويستمعون إلى خطاباتي دون أن يقتنعوا أن من يكتب تلك النصوص هو أنا.. وقد لخص الدكتور فتحي النصري المسألة بأن قال لي : أنت لديك شخصيتان فمن يخطب بتلك الثورية والصلابة واللغة الخشبية من الصعب أن يكتب بهذا الانسياب الشعري الحداثي.. السؤال الآخر الأكثر إزعاجا هو نقيضه لماذا لا تكتب شعرا ثوريا أو سياسيا؟ فبعضهم يريدك أن تكون مظفر النواب وبعضهم يعتقد أن الشعر بيان سياسي ويحصرون دور الشعر في التحريض والتجييش، لا.. لا.. لقد كنت أحرّض الطلاب في الخطابات السياسية والنقابية ولا يمكنني أن أحرّضهم عن طريق الشعر للشعر بالنسبة إليّ دور ثوري أهم وهو ملامسة الأعماق وتثوير الأحاسيس والمشاعر.. فالإنسان ليس آلةً حتى تحرضه بالخطاب الصوتي أو تخاطب أذنيه الشعر يخاطب إنسانية الإنسان يخاطب روحه أو الشاعر الذي في داخل كل إنسان منا  الخلاصة الشعر يحرر الفرد من بعده الواحد يحرر بقية أبعاده.

– 6 – ينتصر خالد الهدّاجي إلى كل القضايا العادلة، ومن أكثر القضايا التي نراك منخرطا في الدفاع عنها وبضراوة هي قضية تحرر المرأة ؟ ما سرّ هذا الدفاع عن المراة؟ وكيف تراها؟ وهل للمرأة حضور في حياتك ونصّك الشعري؟
– ليس مجازا وليس بذخا لغويا حين نقول إن المرأة هي الوطن بل أكثر من ذلك الأم الأخت الحبيبة ما معنى أن تعيش دون هذه الكائنات؟ طبعا للمرأة حضور في حياتي فمنها أستمدّ القوة لأواصل. سأقول لك شيئا هذا العالم لا يُطاق، إنه جحيم بحق لولا المرأة لغادرت هذا العالم يقول درويش «أعشق عمري لأني إن متّ أخجل من دمع أمي» تلخص هذه الجملة الكثير مما أريد أن أقوله بالإضافة إلى الجانب الجمالي لحضور المرأة في العالم فهي مصدر إلهام لأعمال فنية عظيمة وخالدة في التاريخ حتى في التاريخ العربي الاسلامي رغم الرؤية الاظطهادية والتحقيرية للمرأة بالمنظور الديني، إلا أن أغلب شعراء الإسلام تغزّلوا بالمرأة وهو ما أنتج لنا تاريخا أدبيا تنويريا يحايث التاريخ الأسود والظلامي والدموي والقتل والتذبيح والجهل والخرافة والترهات.. معركة تحرير المرأة هي معركة تحرير المجتمع والوطن ككل سواء من الرؤية الاسلاموية الرجعية التحقيرية أو من الاستغلال الليبيرالي الذي يعتبر المرأة سلعة وجسدا للعرض وللبيع والشراء ها أنت ترى حتى الوطن أصبح رهينا لهاتين الرجعيتين السلفية والحداثية…

– 7 – رغم فاعلية التجربة الشعرية، وجزالة المنتج الإبداعي، خالد الهداجي من أكثر الشعراء غيابا بالساحة الثقافية؟ هل الغياب اختيار شخصي أم هو تغييب مقصود من لدن اللوبيات التي مازالت تتحكم في المشهد الثقافي؟
– بطبعي لا أحب الظهور لمجرد الظهر ولا أبحث عن الشهرة ولا أحب عرض ما أكتبه سلعةً للبيع أو الإشهار بل أكثر من ذلك أنا لا أحب إلقاء الشعر، أفضل أن أكتب وأنشر ما أكتبه ومن شاء فلْيقرأ ومن شاء فلا… منطق اللوبيات موجود في الساحة الشعرية لكنني أتفاداه ولا أريد الخوض فيه لهذا أيضا نادرا ما يفكر أحد في دعوتي إلى منتديات أو ملتقيات، هذا لا يقلقني ولا يشعرني بالإزعاج البتة….

– 8 – على ذكر اللوبيات، ألا ترى أن هذا الجيل جيلنا – انخرط هو الآخر في لعبة اللوبيات بل وبأكثر وقاحة من اللوبيات السابقة ؟
– أوافقك في هذا كل السلوكات السلبية سابقا تضاعفت اليوم ولها ورثتها من كتاب الشعر ولا أقول شعراء أعتقد أن الشعراء شيء آخر تماما غير ما نراه اليوم.

– 9 – خالد الهداجي من مؤسسي حركة النص؟ ماذا أضافت هذه الحركة إلى تجربتك الشعرية؟
– هي تجربة وتقارب في وجهات نظر ما يحسب لهذه الحركة هو الاختلاف الذي يحكمها ويبنيها فهي حركة للنص وبالنص وتبادل شعري الغاية منه تطوير المشهد وإظهار المختلف الذي ينمو بعيدا عن السائد الحركة في بدايتها يمكن أن تنمو لتصبح شجرة ولمَ لا غابة.. ويمكن أيضا أن لا تنتهي إلى أي شيء يُذكر…

-10- من «المشرب الجامعي»- ديوان شعري مشترك – إلى «مجرّد رائحة لا غير»، تجربة الإصدار الورقي كيف تقيّمها؟
– هي تجربة ضرورية لكلّ من يمارس الكتابة، ففي النهاية نحن لا نكتب للآنيّ فالمهمّ ما يتركه الإنسان من أثر حتى لا نكون من العابرين في التاريخ من جهة أخرى هي تجربة مرهقة وصعبة لما يعرفه واقع النشر والتوزيع في تونس مما يجعلنا نفكر أكثر من مرة قبل إصدار أي كتاب. لديّ بعض المخطوطات وحقا مازلت متردّدا في نشرها حاليا.

-11- ماذا عن الجوائز؟
– هناك جوائز في ملتقيات معينة وقليلة تعبر عن مستوى أدبي وتقييمي موضوعي ما تبقى هي مجرّد إيهامات لا علاقة لها بالنصّ أو هي مجرّد ولائم للبعض. حصلت على عدة جوائزة في عدة ملتقيات أدبية منها المروج قليبيه وغيرها لكن تبقى الجائزة الأهم في حياتي والتي أفتخر بها للتاريخ هي جائزة بيت الحكمة 2009 لمائوية أبو القاسم الشابي لأنها جائزة لمناسبة تاريخية لن تتكرر ولأنها من مؤسسة علمية محكّمة ولأنها أيضا عرفت منافسة أكثر من مائة مخطوط شعريّ..

-12- كلمة الختام
– تحياتي للساهرين على موقع انتلجنسيا للفكر الحر وتمنياتي لهم بالنجاح في مشروعهم الرائد.. فما أحوجنا اليوم إلى مثل هذه المواقع التي تعمل على نشر الفكر الحرّ والثقافة المقاومة.

————-
[1] –حركة الطليعة الأدبية في تونس 1968 – 1972
[2] – أرى النخل يمشي مجموعة شعرية للطاهر الهمامي صدرت سنة 1986
[3] – رجل في رأسه عقلدراسة، الطاهر الهمامي (ابن المقفع، دراسة 1992 )
[4] – مجرّد رائحة لا غير، خالد الهداجي، شعر، مقدمة الدكتور فتحي النصري، ص4.
[5] – عنوان كتاب لمحمد لطفي اليوسفي حول لحظة المكاشفة الشعرية.
أكمل القراءة »
Fourni par Blogger.